منتديات جمعه شيبه التعليمية للتبريد والتكييف وبرامج الملتيميديا

أهلا بك عزيزي الزائر في منتديات جمعه شيبة التعليمية يشرفنا تسجيلك



منتديات جمعه شيبه التعليمية للتبريد والتكييف وبرامج الملتيميديا

منتديات تعليمية إخبارية ثقافية دينية إجتماعية شاملة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
مصر التي في خاطري
الترحيب بالسادة الاعضاء والزوار

أهلا و مرحبا بك يا زائر في منتديات جمعه شيبه التعليمية نتمني لك قضاء وقتا ممتعا معنا ... "

المصحف الالكتروني

الاحاديث النبوية الشريفة

مكتبة القرآن الكريم

المصحف الالكتروني الجامع

رقم الزائر

أنت الزائر رقم

أقرأ في الصحف المصرية
المواضيع الأخيرة
أحبار الموجز
مجـــــــــلات إسلامية
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
المدير العام - 1284
 
محمد غالي - 706
 
الامبراطور - 297
 
الجمال الشارد - 187
 
الشرسة - 178
 
ميدو13 - 175
 
القلب الطيب - 157
 
لودا وبس - 108
 
طائر الليل - 33
 
سيدار - 32
 
مجــــــلات مصرية
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 0 عُضو متصل حالياً 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 0 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 49 بتاريخ السبت 2 يونيو 2012 - 17:28
قنوات التبريد والتكييف علي اليوتيوب

قناة" فوروفريو" الأسبانية الصديقة

قناة" مبي اونلين " الفرنسية الصديقة

أقسام المنتدي

المصحف الالكتروني

المنتدي الاســـــــــــلامي

المنتدي الـــــــــــــــعام

موضوعات في التبريد والتكييف

صـور وفلاشات في التبريد

كتـب في التبريد و التكييف

فيديوهات في التبريد والتكييف

صيانة معدات التبريد والتكييف

برامـج في التبريد والتكييف

منتدي المايكروسـوفت أوفس

تقنيات الحاسـوب والانترنت

منتدي الاوتوبلاي ميديا استوديــو

منتدي المــوفي ميــــكر

منتدي وعالم الفوتوشــوب

صانع الاختبارات الالكترونية

منتدي عالــــم الفلاش

منتدي اليوليد فيديو استوديو

منتدي الاوتوكاد والانفينـتور

منتدي الثردي ماكــــــس

منتدي الحيـــاة الزوجـــية

منتدي تفسير الرؤي والاحلام

منتدي اللغات الاجنبية

منتدي الابحاث العلمــية

المنتدي الادبي( الشعر والقصة)

منتدي التنمية البشرية

حقيبــــة المعلم التربوية

منتدي دراسات الجدوي

منتدي برامج الحاسب والانترنت

منتدي الركن الثقافي العام

منتدي الابتكارات العلمية

منتدي نبض المعـــاني

منتدي القصص الواقعيــــة

منتدي الارشاد النفسي والاجتماعي

منتدي الالغاز والفوازير

منتدي الغرائب والعجائب

منتدي المكتبة العــــامة

منتدي كاشف الاســــرار

المنتدي الطبي العــــام

منتدي حــــــــــواء

منتدي اشهي المأكــــولات

منتدي الالعـــــــــاب

منتدي واحـــــــــة الاطفال

منتدي الحـــــــوار

منتدي الضحك والفرفشة

منتدي الدش والستالايت

صلاحية النسخ
المواضيع الأكثر شعبية
الثلاجة المنزلية( المكونات والاعطال والعلاج )
الابداع في فن الاستمتاع ...... كتاب شامل روعة ....... للمتزوجين فقط
قاموس تفسير الاحلام لابن سيرين
مناظر طبيعية متحركة
أسعار أجهزة التكييف في مصر لصيف 2011
أعطال شائعة في المكيفات وطرق العلاج
البرنامج الرائع لتعليم الحروف العربية للاطفال
ترددات قنوات النايل سات 107 الجديدة بداية من 23 أكتوبر 2011 بدلاً من نايل سات 104
صور الادوات المستخدمة في مجال التبريد والتكييف
شرح كيف تعمل حساب علي الموقع الاجتماعي تويتر خطوة بخطوة بالصور
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 3421 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو ammar salo فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3864 مساهمة في هذا المنتدى في 2397 موضوع

شاطر | 
 

 " انتزاع " قصة قصيرة .... بقلم جمعه شيبه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
Admin
avatar

الدولة : مصر
المهنة : مدرس
عدد المساهمات : 1284
تاريخ التسجيل : 06/01/2011
العمر : 45

مُساهمةموضوع: " انتزاع " قصة قصيرة .... بقلم جمعه شيبه   الإثنين 6 يونيو 2011 - 13:02

انتزاع...


استيقظت مفزوعا...لست ادري أمن نوم؟ أم من فقدان وعي؟ .. تحملق عيني في أرجاء الغرفة التي تحتويني....شعرت وكأني لم أألف هذا المكان من ذي قبل..... برغم ما علي الحوائط من صور فوتوغرافية تخبرني مرآة أمامي بأنها لي... حاولت أتذكر شيئا .. ولكن لم يكن في استطاعتي ذلك....!

استجديت ذاكرتي أن تخبرني باسمي فلم تستجيب....سمعت اصواتا شبه مألوفة لمسامعي بالخارج ربما يكون صوت أبي وأمي إن كانا مازالا علي قيد الحياة وأصوت أخت أو أخ إذا كان لي إخوة....فأنا حقا لم اعد اذكر شيئا ولم استطيع أن اذكر شيئا وكأن هناك من انتزع من ذاكرتي فلم يبقي لها لدي اثر وتركني مجهول الهوية.........
سمعتهم بالخارج يتحدثون فيما بينهم.... انه علي هذا الحال منذ أن ماتت من أسبوعين.......مازالت الغرفة مغلقة علي... وحاولت أن استرجع شيئا يخبرني بالتي ماتت.... أو يخبرني بالذين مازالوا علي قيد الحياة....شيئا يخبرني بمن أنا...

تساءلت هل أنا فاقد للوعي.. أم ماذا حدث .. بقيت علي هذه الحالة لفترة لا ادري مداها ولكني بعدها بدأت اذكر شيئا...نعم تذكرت اسمي..إن اسمي شوقي.......فصدي صوت من كانوا ينادونني به حضر علي التو في أذني.... ولكن لا داعي لاسم الأب الآن..تدور بذهني كلمات عابرة لم ادري من أين مصدرها... منها ... الجيش... الغربة... القطار... الموت... السرطان... ربما لان برجي السرطان وربما تكون كلمة الوداع أيضا ضمن تلك الكلمات التي وردت.....
حاولت أن اعتدل من رقودي... وان أقف من قعودي... وكان في ذلك سهولة يسر.. حاولت أتحرك في أرجاء الغرفة... شعرت بثقل جسمي وتراخي جوارحي...وأخذت أتساءل هل كنت في حادث سيارة ..؟ ولك لم أجد في جسمي ما يوحي بذلك من كسور أو جروح... بحثت في ملابس معلقة خلف باب الغرفة.. من المحتمل أن تكون ملابسي... فرائحة العطر التي تفوح منها اشعر بان حاسة الشم لدي تدركها.... وبعد دقائق قليلة عثرت فيها علي محفظة بها صور لي وكارنيه للقوات المسلحة يحمل اسمي وصورة فوتوغرافية مشوهة لي ...نعم عرفت الآن إن أبي يدعي " حسن سليمان" انتعشت سريرتي.. فلقد بدأت امسك بأول خيوط المعرفة بذاتي... فاسمي هو شوقي حسن سليمان كما وجدت ضمن وريقاتي صورة فوتوغرافية جميلة لفتاة رائعة الحسن.. تخبرني ملامحها باقتراب سنها من العشرين إن أصبت حملقت في تلك الصورة قليلا اشعر بان اعرف صاحبتها ولكن من هي ...؟ ما اسمها...؟ فكم شكلها مألوف لعيني ولكن........ ..
كنت مثار جدا.. فقد ارتجف قلبي وتتابعت دقاته في عجالة.. وارتعدت جميع جوارحي .. يا إلهي .. انطلقت من بين شفاهي صرخة مدوية في الأرجاء... انفتح علي اثر انطلاقها باب الغرفة ودخل منه أناس كثيرون.. تذكرت منهم أمي بمجرد وقوعي عيني عليها ..كما تذكرت ملامح أخت لي ولم أعي اسمها... وتذكرت ملامح بعض الجيران ولم اعبأ بالأسماء .. وآخرون لم أتذكرهم ولم أحاول...! نظرت إلي أمي بلهف واحتضنتني بعمق.. تذكرت....تزاحمت في ذهني علي التو جميع الأحداث.. كل منها يحاول أن يقفز علي شاشة إدراكي أولا... واجتازت لحظة تجنيدي كل الأحداث.......
فما أصعب الانتزاع من الأسرة والموطن الذي نشأت فيه... لمواجهة الغربة والوحدة والمجهول.. ولكن إذا كان نازعك هو الالتحاق بالجيش فقد يبدو لذلك مذاق خاص.... ربما لأنه بداية اعتراف الوطن بك وبقدراتك... وربما انه أفسح لك مكانا في خط الدفاع عنه ...وربما لان قبولك به بمثابة شهادة بحسن سلامة عقلك وبدنك... وربما ا لولاء هو الذي يجعلك تذهب إليه طوعا....ويشعرك في ذلك بأول معاني الرجولة و التي كثيرا ما يصبو إليها من لم يصلها بعد.....

لقد شعرت بهذا المذاق فكم كنت احلم بارتداء الزى العسكري وحمل السلاح وصنع البطولات علي الرمال وفي أحضان الحصون... طلبتني القوات المسلحة بعد أن أتممت دراستي الجامعية في احدي كليات التربية بجامعات مصر.. فلبيت علي الفور ذهبت من أحضان الحياة المدنية التي لم أفارقها منذ نعومة أظافري إلي الحياة العسكرية التقشفية الصعبة حيث الجبال الوعرة.. وحرارة الشمس اللاسعة....احتوتني قسوة البقاء وصعوبة الانتهاء وتنفيذ الأوامر العسكرية بصوابها وخطأها بلا نقاش .. لحظات ينتابني شعور بأنني اقوي من الجبال الرواسي الشامخات ولحظات اشعر بان قيمتي لا تتعدي حفنة رمال في جزء مهمل من الصحراء التي ليس لها حدود.......

لقد كانت مشاهدتي لفيلم في السينما المصرية يحكى احدي البطولات الاكتوبرية المصرية فيما مضي يثيرني كثيرا ويجعلني في حالة تأهب قصوى واعلي أتم درجات لاستعداد النفسي والبدني لملاقاة مدرعة تقلني إلي ميدان القتال.. أو الإمساك بقنبلة لألقيها في حضن العدو الآمن لأبدد أشلائه...كم كنت أتمني أن أكون من أبطال أكتوبر ولكن الحرب انتهت منذ سنوات عديدة... فلم تنجبنا الأمهات ألا بعد أن تحررت الأرض المسلوبة بسواعد وكفاح ودماء الآباء.....وتعهدنا مع عدونا الوحيد علي السلام... ولكن يبدو أن ما لقيناه من ويلات الحروب والاستعمار.. يجعلنا في حالة تأهب لملاقاة العدو في أي لحظة...

بدأت حياتي العسكرية وكلي شوق وإثارة للزى المموه والخطوات المعتادة... والبيادة والكاب.. فها أنا في ذروة عنفوان شبابي......تستبد بي الثقة وتفترسني الآمال.. تناقلتني الأوامر العسكرية من مكان إلي أخر حتى عبرنا البوابة العسكرية العملاقة...التي بثت في رؤيتها رجفة سرت في جميع جوارحي...مكتوب عليها بخط ذهبي سميك اسم المعسكر واحد آيات سورة الكهف"إنهم فتية امنوا بربهم وزدناهم هدي"استشعرت حلاوة الإيمان... وحلاوة القران... وحلاوة ما أنا فيه كان هناك صوت يجلجل بداخل "الله اكبر" استقر بنا الأمر في احدي مراكز التدريب... تسلمنا ملابسنا العسكرية وتجردنا من كل ما هو مدني .. كأنه صار محرم ارتدائه....و بدأنا نعيش الحياة العسكرية وبدأت هي الاخري تعيشنا.. لا يعنينا فيها نوم ولا طعام.. ولا رحيل ولا بقاء..شعرت بأنني قدمت نفسي قربانا للعسكرية .. تقربني إن شاءت وتبعدي إن شاءت...... تحنو علي أو تقسو...... تمنحني أجازة لرؤية الأهل أو تمنعني لأموت شوقا إليهم...
هناك لاشيء متوقع ولا شيء محال .. ولا أمر مستقر.... فربما يحلو لك المكان سرعان ما ترحل عنه.. وقد تطمئن نفسك لرفاق يحبوك وتحبهم سرعان ما تغادرهم بأمر عسكري... فقد انتزعوا من صحبتي صديق العمر جلال حيث ذهب به الأتوبيس إلي أقصي الغرب وذهب بي الأتوبيس إلي أقصي الشرق.. وقد تستبد بك الكراهية لمكان يأتيك الخبر كالصاعقة بأنه قد تم اختيارك لتبقي في هذا المكان لنهاية خدمتك.... فليس لك أن تتوقع شيء ولا تشتاق بقاء ولا يستهويك رحيل...
أقلمت نفسي علي ذلك فلم انسي مقولة أمي مشجعة لي" إن الخدمة العسكرية ضريبة علي كل شاب معافى تربي فوق ارض هذا الوطن"ولم يغب عن ذهني لحظة قول رسولنا الكريم "ص":"عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله"فانا أيقن فضل الجهاد وفضل الرباط في سبيل الله...
تعودت أن أأخذ كل الأمور ببساطة فأصبح لايفرحني البقاء ولا يحزنني الانتقال...........
فترة تجنيدي عاما واحدا كما تقضي القوانين العسكرية في بلادي...... عزمت في قراره نفسي أن امضي هذه الفترة ولو في ميدان القتال بين الرصاص والقنابل... ولم اعبأ بأي صعوبات ولكن كان كل ما يهمني حقا أن تمضي... لم يكن لكتيبتي مقطن ثابت ولكن كانت معسكرات عمل متنقلة في مناطق وعرة بصحراء سيناء... كان عملنا حقا شاقا.... وكان علينا إلا نذكر طبيعته... إلا إننا تأقلمنا علية رغم صعوبته... فالجندي المصري لا تستصعب عليه الصعاب كما يقولون...كان أطول بقاء لنا في أي موقع أسبوعين حتى مللنا الترحال وعدم الاستقرار....

اذكر عندما بلغ مني الشوق مبلغه عندما اتجهت بنا الأتوبيسات إلي سيناء فلم تري عيني سوي جبال تجاورها جبال وتدنوها صخور ورمال وبقايا هناجر عسكرية مهجورة .. وتعلوها رياح وعواصف متمردة........ وتجري بين الجبال طرقا إسفلتية ملتوية... توجد علي جوانبها لافتات باللغة العبرية .. ولفتات أخري بالعربية تخبرك لتتجنب حقول الألغام... وكنت أتساءل أمازالت حقا توجد حقول ألغام بهذه الأرض..؟

أخذني الحزن علي أبطال أكتوبر الذين ارتوت بدمائهم الرمال... تذكرت درسا كان مقرر علي دراسته في اللغة العربية بالمرحلة الإعدادية بعنوان.. سيناء ارض الفيروز والقمر... فلقد رأيت القمر كثيرا في الليالي التي لم تذق أعيننا النوم فيها إلا غرارا ولكن لم يصادفني الفيروز... فأين ذهب؟ أم هناك فرق بين سبيل القلم وسبيل القدم.. أم الرمال حقيقة والفيروز خيال. فلقد ظليت ما يقرب من عام بأرض الفيروز ولم أجده ولم احظي برؤيته....

أكثر من كان يسيء معاملتنا الصول"عبد العاطي" أرخم خلق الله كما لقبه الجميع...فلو كنا عبيدا عنده لرحمنا واستشففته أحوالنا.. كان أكرش... يناهز الخمسين بقليل.. ملابسه مهملة... ميكانيكي بارع....لايوجد خيط واحد في زيه العسكري إلا وقد تجرع من الزيوت والشحوم كفايته...وجه شاحب.. وشفته غليظة..... وعيونه المختبئة تحت جفونه المرتخية يملأ جمودها المكر.. لم تري عيني له مثيل قط... يبدو نموذجا صارخ لمتعاطي العقاقير المخدرة..... ففي عينيه دائما تلحظ أثار استغراق في نوم عميق..... لم اذكر مرة شاهدته يضحك.... ولم أري له ابتسامة خلال فترة تجنيدي وكان شفتاه تجمدت علي ذلك... إذا أكرم جندي سب والديه وتوعده بأرذل العقاب .. وإذا شح كرمه لطم خديه بكفيه مرات عديدة وركله ببيادته الفولاذية....كان يثار لأتفه الأسباب .. قالوا انه من احدي مراكز محافظة الشرقية... وسمعنا انه من أصل منوفي.. ولكني برغم طول فترة تواجده معنا لم أحاول أن اعرف مسقط رأسه علي وجه التحديد.......
كان اشد ما يحزن كل فرد في معسكرنا أن عبد العاطي ذو أهمية قصوى في المعسكر فلم تجرؤ أي آلة أو ماكينة أو سيارة مهما اختلف نوعها واصل بلدها أن تتعطل في وجوده فكان القادة يقولون دائما أن الصول"عبد العاطي" يمثل أكثر من نصف المعسكر.. فكل أعمالنا كانت تعتمد علي الآلات.. وعمل الآلات يعتمد علي وجود عبد العاطي معنا بصورة شبه مستديمة وكأنه الوحيد الذي درس علم الميكانيكا وتمعن فيه وثقله.. فلم تتمرد عليه أي آلة طوال فترة تجنيدي ... ولكنه من أهمية مكانته كان متمردا علي الجميع قادة وجنود.. فكان كثير الاعتراض علي أو أمر القادة مما تسبب في تأخير ترقيته مرات عديدة....كما بلغنا في بداية قدومنا إلي المعسكر من الجنود القدامى انه ضرب جندي ذات مرة فأفقده عقله والبعض يقول بأنه قتله ولم نعي إذا كان ذلك صدق أم إشاعة...ولكن كل ذلك كان يرعبنا ويجعلنا نعمل له ألف حساب.. كم كنت أتخيل الحياة العسكرية بدونه فتبدو رغم قسوتها ميسرة ومقبولة إلي حد ما...
ولا غبار علي ذلك فالعام قد أوشك علي الانتهاء ولم يتبقي لي سوي أجازة واحدة أو اثنتين علي الأكثر.... بعد هذه الأجازة الطويلة التي أأمل أن يمنحها لي الرائد علاء عبد الخالق.. والذي كان سر من أسرار بقائي وتكيفي السريع في هذه البيئة الصحراوية الوعرة.. كنت اخشي الصول ولا أخشاه.. فلقد أشعرني بالأمان واحتوي كل مخاوفي.. وكان وجوده دليل ناطق بان ليس كل الناس كعبد العاطي... وان الحياة لا تسير إلا بوجود اللين والشدة والشر والخير والعلم والجهل والخيال والحقيقة... وعدني أن يمنحني أجازة طويلة تقديرا لما بذلته من مجهود غير عادي في ذلك العمل الذي كلفت به حيث كنت مشرفا علي عدد من الجنود... وتخصصنا في احد الأعمال الشاقة..فكنت اسبقهم إلي العمل وكنت أكثرهم نشاطا.. ابعث فيهم الهمة...كنت أعيشهم لحظات الجهاد الحقيقي في العمل ..كنا فريق متكامل تسوده روح الإخوة والحب.. وكنا كثيرا ما نتضاحك ونتداعب لنهون علي أنفسنا صعوبة ما كلفنا به من عمل.. وبرغم علي عدم حصولهم علي أي قدر من التعليم إلا أن سرعان ما تفاهمت معهم وفهموني ......
ولقد تولي الصول"عبد العاطي" تنزيل الأجازات أثناء وجود الرائد علاء في مأمورية بقيادة اللواء التابعة له كتيبتنا ...وأقام بحجزي من الإجازة عدة مرات,, بحجة مصلحة العمل... ولكني كنت اشعر بان حجزه لي يأتي من عدم استلطافه لي ليس إلا.. حجزني حتى بلغ غيابي عن أهلي مائة وسبعة من الأيام الرتيبة المملة التي يكاد يكون اليوم فيها بحسابات أشواقي عام كامل...وكان عزائي الوحيد في ذلك هو مرور الأيام وسقوطها من فترة تجنيدي.....لم يكن لي حق مناقشته في ذلك... وربما كان لي الحق ولكني لم أجرؤ علي ذلك... لست ادري كيف قضيت هذه الفترة في هذا العناء المتواصل ليل نهار.. تحت أشعة الشمس اللاسعة.. والعواصف الرملية المتمردة... ومعاملة "عبد العاطي" القاسية.... إلا أن هذه الفترة مضت فعلا وأصبحت ماضي....كنت أتناسي كل شيء وأجادل الحنين لأهلي... وأصارع الأشياء والأفكار التي كانت تستهوي نزولي.....إلي أن توقدت نيران شوقي الكامنة تحت رماد التناسي.. فلم يعد بوسعي أن أتحمل... اشتقت لامي التي لاشك أنها اشتاقتني كثيرا...كما اشتقت لرؤية فتاتي القروية " وفاء " ذات الوجه الصبوح....والثغر الباسم والقد الممشوق و.......

كنت أستاذها في مراحلها المتأخرة......الفارق بيننا بضع سنوات فقط.. ولست ادري كيف تحولت من طالبة تجلس دون إدراكي ومستوي تفكيري إلي حبيبة استطاعت أن تسلبني بقايا إدراكي وتفكيري... فلقد أصبحت بمثابة عيني التي أبصرت بها الوجه الحسن لهذه الحياة وما فيها.... أشعرتني معاني الحب .. وقضت علي سياسة العزلة التي فرضتها علي نفسي منذ طفولتي بخصوص الجنس الآخر... محت علي إعراضي بخصوص الارتباط... فكم تبدو بناظري جميلة حقا... جريئة في أدب.. مقدامة في حياء...ذات حس مرهف ... ومشاعر حب متوقدة تجاهي.....وحديثا جذابا يأخذك من نفسك إليها مرغما طالما تكلمت شفتاها......

كتمت حبي لها سنوات عديدة ولم أبوح لأحد بأمره. حتى تخرجت من عامها الأخير بأحدي مدارس التعليم الفني.. لا أنكر إنني كنت شغوف بها منذ طفولتها...وكانت تمارس تدللها علي في صباها بحكم القرابة البعيدة التي تربطني بأهلها.... ثم احترمتني احترام التلميذة المهذبة لأستاذها الوقور...ثم أحبتني حبا جما لا حظته في عينيها من ما يقرب من خمسين شهرا.. ولكني تجاهلت ما تكنه لي وفضلت إلا أفضي لها بما في داخلي حتى تتخرج وينضج فكرها... ظليت أتجاهلها ولا أعيرها اهتماما إلا أنها لن تبتعد ولم تيأس وظلت تقترب من قلبي رويدا رويدا حتى سلبته مني.. وتركتني أعاني أشواقي إليها كل يوم و كل ساعة وكل لحظة.......لقد عزمت في نفسي منذ سنين إنها لي...
كما اشتقت لإخوتي الذين يصغرونني بسنوات قلائل " لبني وجهاد وسامي" شوقا لا ادري مداه
جاء الرائد علاء ومنحني أجازة قدرها خمسة عشر يوما ....أثارت فرحتي... ووددت أن أطير من سيناء إلي غرب الدلتا حيث تقطن محافظتي... تعد هذه الأجازة أول ميزة تخصني بها القوات المسلحة منذ لحظة تجنيدي الأولي... أقلتني سيارة من المعسكر إلي الطريق العام والذي كان يبعد ما يقرب من خمسة كيلومترات عن موقع إقامتنا حينذاك... وركبت أتوبيس تابع للقوات المسلحة... أخذه الطريق المنشق بين الصخور إلي قناة السويس.. ودخلت مدينة الاسماعلية.....ولم ادري كم استغرق بي السفر.. ورأيت وجوه المدنيين وكأني لم أراها منذ سنين..... ركبت القطار وانطلق يتلوي كالثعبان الهارب بين المدن والمزارع عابرا الممرات المائية والجسور والكباري... انطلق يطوي الأرض نحو بلدتي القاطنة في محافظة البحيرة... كنت مشتاقا لملاقاة أمي وإخوتي.....مشتاقا لأقرا الفاتحة علي قبر أبي الذي مات منذ سنين...كانت تغمرني فرحة لا ادري مداها فما أجمل لذة العودة لأرض المنشأ وأناس تحبهم ويحبوك كثيرا.. خاصة من بعد طول غياب...كنت مشتاقا لأطفال شارعنا ومسجد قريتنا والرفاق.... مشتاقا لوفاء ذلك الوجه الصبوح والأمل الذي من اجل لقائه أحيا... وفاء التي طالما تكلمت عنها لا أمل ولا يملني حديثا... اشعر بأنني تغيبت عن هؤلاء قرن كامل من الزمان..... نعم مائة عام ليس اقل من ذلك يوما واحدا....
كنت مشتاقا حقا لقريتنا...لترابها و أشجارها...وصوت صغارها.......

وصلت عند الفجر..حقا الطريق طويل ولكن فرحتي فاقت أي ملل وهونت علي كل صعاب... مكنتني من الاجتياز بسهولة ويسر.....قريتي ساكنة تماما....ساكنة بين الحقول الخضراء...وكأنها سيدة ورعة ساجدة لربها علي سجادة خضراء.... الناس تنعم بنوم عميق... فهكذا أهل الريف لا حرص مع منامهم....مررت علي بيت وفاء القاطن في مدخل القرية والذي ليس عن بيتنا ببعيد....يا لأشواقي...كم أتطلع لرؤيتها......يا لتها تعلم بمجيئي..... ويا ليت هناك من يخبرها حضوري...لو كانت الجدران تستشعر مدي أشواق قلبي لصرخت وأخبرتها... بل وأفزعتها من نومها الهادئ......باقي ساعة أو اقل والشمس تشرق ويذوب من أشعتها المضيئة ظلام قريتنا.. وتتفتح كل الأبواب المؤصدة.ز وتلفظ البيوت سكانها من بعد سبات طويل ... وتخرج وفاء فيما بينهم فتتسنى لي رؤيتها.......وتنطفئ نيران أشواقي المشتعلة إليها....
كانت البهجة تفترسني.. والأمل يستبد بي... والفرحة تسابق خطواتي....وصلت بيتنا و طرقت الباب... ووجدت أمي تفتح الباب علي عجل وتحتضنني بعمق.. ولم اذكر أنها سمعت صوتي... ولم يكن هناك من ينبئها إنني أنا الطارق سوي إحساس الأمومة الصارخ في صدرها..بكت تحت أثار فرحتها طويلا وهي تقبلني من كل موضع بوجهي وتربت بيدها الحنونة علي ظهري......قائلة: سامحك الله علي طول هذا الغياب يا ولدي فلقد بلغ القلق مني عليك مبلغه......بادلتها بدموع تساقطت من عيني دون ادني إرادة مني... وأجبتها قائلا: يا أمي ليس الأمر بيدي فانا ملك للجيش وليس الجيش ملكي.. ولقد تفهمت أمي الأمر سريعا والتمست لي العذر علي غيابي....
- كيف حال إخوتي.... ؟
- بخير....سوف أوقظهم سريعا...فسوف يطيرون فرحا لمجيئك....
- لا تقلقيهم يا أمي فعند الصباح سوف يرونني....
وسألتني أمي أسئلة كثيرة عن الجيش ...وصحتي ....وسر غيابي.. ولست ادري بأي شيء أجبت.. ولكني وجدت نفسي في نهاية ردي قائلا: وكيف حال وفاء يا أمي..؟ لست ادري من أين جاءت لي تلك الجرأة فانا كثيرا ما استحي من أمي في مثل هذه الأمور ربما يكون قوة شوقي هي التي دفعتني للخوض في ذلك.... ولمحت في عين أمي نظرة استغراب واضحة سرعان ما حاولت إخفائها قائلة وعلي شفتيها بقايا ابتسامة فخر" لقد سألت عنك أكثر من ألف مرة....وأثار استغرابي الرقم الذي قالته أمي ربما يكون مبالغ فيه ولنفترض أنها سألت عني نصفه أو ربعه أو حتى مائة مرة فهذا كثيرا وليس له دلالة إلا معاناتها للشوق مثلي....وأخذتني فرحة كاد ينخلع لها قلبي.....

واستأنفت الحديث قائلا: ولماذا كانت تسأل عني..؟ وكأني كنت أود أن استشف ما استشعرته أمي عنها..وأقبلت علي أمي في ابتسامة قائلة: يبدو أنها مهووسة بك يا دفعة.....ومش عارفة إيه الحكاية"
- وتولدت في رأسي رغبة جامحة لأقبل في التو أمي ولكني تماسكت.... وبرغم إني غيرت موضوع الحديث إلا أن أمي عادت لتقول" بس وفاء تعبانه من حوالي أسبوعين"وأحسست وكأن أمي أرادت أن تعرف مدي أهمية وفاء عندي وبرغم ذلك فلم استطيع إخفاء اثر وقع الخبر علي مسامعي... افترسني نوع من القلق الطائش واستطردت حديثي بفزع واضح في لهجتي قائلا:
- من أي شيء تعاني يا أمي..؟
- الأطباء لم يحددوا بعد.. وقد يكونوا عاجزين عن تشخيص ما عندها...زادني ما سمعت من أمي قلقا وكان بودي أن اجري ولم أتوقف إلا في أحضانها وبين ذراعيها... ولكن استوقفتني قلة حيلتي وحيائي من أمي .......
وبدأت انظر في النتيجة المعلقة علي الحائط.. والتي تخبر بأنه باقي عشرون دقيقة من عمر الزمان علي شروق الشمس...وعند ذلك أتمكن من رؤيتها....ولكنها أثقل عشرون دقيقة في عمر الزمان كله....أثقل من ساعات الخدمة الليلية الأربع التي أحياها واقفا والخوف من الصول"عبد العاطي"يراودني....أخذت قدمي تدور بي داخل البيت من غرفة لآخري... لا لشيء سوي لقتل الدقائق الرتيبة......فقلبي متلهف علي فتاتي وعيني مشتاقة لرؤيا ها..أود أن استعجل الشمس... استجديها تسرع لترسل أشعتها فتوقظ الخلق من نومهم......

غيرت ملابسي وتوضأت وصليت الصبح وبدأت اهدأ قليلا.......ثم انتابني نوع من التفكير فطاح بهدوئي... فزاد اضطرابي... ولم أعبأ بمراقبي أمي لي .. وصلت حالتي إلي الذروة....خرجت مسرعا نحو الشارع المؤدي إلي بيت حبيبتي....ولم اخشي لوم احد ولم أتمهل لأضع ذلك في ادني حساباتي...طرقت الباب... وشرقت الشمس...خرجت أمها في يقظة وفطنة.. فلم يبدو في عينيها للنوم أثار......لم تسألني عما أريد ولم اكترث بذكر أي مبررات...اندفعت للداخل بقوة الشوق والقلق اللذان يفترساني....

قادتني قدمي لأقرب حجرة مفتوحة... رأيتها.. تشبه قطعة الماس.. صغيرة القد.. يغوص ثلاثة أرباع جسدها في السرير.. تبدو عليلة حقا.. فلقد أرهقها المرض... تبدو وكأنها مريضة من ألف عام......جف عودها .......وانطفأ بريق وجهها...وذبلت في العيون نشوتها.....يكاد لا يعرفها من قد رآها من قبل.....فقد تبدلت كل ملامحها......
رأيتها تنظر للسقف وكأنها تبتهل وتناجي ربها... تسأل عما قد أخفت لها الأقدار... كان بودي أن اقبلها.... لولا أن تابعتني علي الفور خطا أمها......... نظرت إلي...تكتشف وجودي.. وأغمضت عيناها برهة فجرت علي خديها دمعات حارة...شعرت بقشعريرة تدب في أوصال أوصالي...وتذبذب ثباتي .. أمسكت بيدها النحيفة وتشابكت أصابعنا .. وانهمرت دموعنا معا...والأم بادلتنا الدموع بنحيب مسموع ودموع.....لقد كانت لحظات مريرة لم أذق من ذي قبل مرارتها....

قالت بصوت مبحوح حمد لله علي السلامة" خرجت من فمها متقطعة كطفل مازالت تثقل علي شفاتيه حروف الكلام.... تساقطت دموعي بغزارة....فشلت في إحجامها...وتتابعت أناملي في مسح دموعي.... لملمت بقايا شجاعة لدي قائلا: سوف تكوني بخير وسيتم الله شفائك في القريب العاجل.. لم تتكلم وشكرتني في نظرة رقيقة منها... وقرأت علي حركة خفيفة لشفتيها كلمة يارب...
والله ما تمنيت أن أراها في هذه الحالة أبدا والآن أتمني ألا أفارقها فإن عاشت عاشت لي وان ماتت أخذتني معها...... لقد كنت قادما هذه المرة ولدي عزيمة لخطبتها..فكم ظليت ارسم بريشة خيالي طول فترة غيابي مقدار فرحتها بهذه البشري التي جئت أزفها إليها اليوم... ولكن سبقني إليها المرض اللعين فأرقدها....وعكر صفو كل شيء.......
قالت الأم وهي تمسح دمعة علي خدها بأطراف أصابعها...الدكتور" عادل بدر" وعدنا بنقلها لمستشفي القصر العيني بالقاهرة بعد أسبوعين..... شرد بي لبي ...يا لسوء الحظ تنتقل إلي هناك يوم سفري....كم اشعر بأن كل شيء ضدي...... فيا لضعفي وسوء حظي.... وقلة قلة حيلتي.... خرجت من عندها علي أن أعود ثانية بعد عدة دقائق........اتجهت نحو بيتي ......دخلت غرفتي وجرح داخلي ينزف......تتبعت أمي خطواتي...... والتف حولي إخوتي فرحا بمجيئي يسلمون علي ويسألون عن أحوالي.... وأشارت إليهم أمي بالانصراف عندما رأت الكآبة تعلو قسمات وجهي...وبعيني بقايا دموع فشلت في تلاشيها...واتجهت نحوي قائلة:" هون علي نفسك...ماذا حدث لك..؟..كلنا بندعي ربنا يشفيها..ثم انت هتكون ارحم عليها من ربنا......"كنت أود أن اصرخ في وجه أمي قائلا: إنها ليست مجرد إنسانة عادية...إنها بمثابة نفسي التي تحيا بين جنبي... ولكن منعني توقعي من إنها قد تقول كلام لا أحب أن اسمعه...ووجدت نفس أقول لها في نبرة تحدي: "يكون في علمك إن شاء الله سوف أتزوجها ولن أتزوج غيرها "وكأنني أردت أن اقتص من خشونة كلماتها لي...فاستطردت قائلة: "طيب .. قول ربنا يتم شفاها الأول ".....

أكيد لم تتعمد أمي عنادي ولكن الفارق بين إحساسنا بهذه المريضة هو الذي أوقعني في ذلك... اذكر أنني قضيت كل هذا اليوم في دموع متواصلة....تلاحقني أينما وليت وجهي....وجاءتني فكرة قطع الأجازة في اليوم التالي لكي ابلغ سيادة الرائد علاء بأن عندي ظروف صعبة ليمد لي الأجازة حتى يتسنى لي مرافقة وفاء في سفرها لمستشفي القصر العيني... وتمكنت مني هذه الفكرة.... واستبدت براسي ليلة كاملة.... واقتنعت بها اقتناعا.... وذهبت لوفاء لأقنعها بما قد بات في رأسي.... وجدتها منتعشة إلي حد بعث في نفسي شيئا من الطمأنينة..وبقايا من الأمل البائس.......كانت تحاول أن تمشي في الغرفة بخطى متعثرة.....بدت قدماها عاجزة عن حملها.....ولكنها أخذت تحاول.... ساندتها وهي تجادل قوة ضعفها وعدم قدرتها...تخوض صراعا مع المرض...ذلك الشبح المريب الذي كاد يفترسها...انه متشبثا بها يأبي الرحيل وهي تأبي الاستسلام.....عرضت عليها فكرتي .. فأشادت بها... ولكنها طلبت من تأجيل سفري للمعسكر إلي صباح بعد الغد....ووافقتها دون أن اسألها مبررا......لقد مشيت كثيرا في هذا اليوم في أرجاء البيت وحدها تحت إصرارها..... وأنا أشاهدها.. وأرفع من بقايا المعنويات لديها.......أصبحت لها الطبيب والأهل والحبيب......فلم يعد لها حقا بعد موت أباها منذ عامين سوي أمها وأخت متزوجة من ابن خالتها بمحافظة بعيدة... وأنا..حيث أنها تعتبرني أباها وأستاذها وحبيبها علي حد قولها.....واليوم سأكون طبيبها أيضا.. ولم يعارضني في ذلك احد...أناولها جرعات علاجها بنفسي... واشرف علي طعامها وأساعدها علي تناوله.. أساندها إلي باب الحمام وأعود وانتظر إلي أن تناديني لأسرع وأساندها في العودة... ....
وقد بلغ خوفي عليها ذروته عندما قرأت في النشرات الداخلية لعبوات علاجها أن من دواعي استخدامه الإصابة بمرض السرطان.....كان بودي أن افرح..... ولكن كل يوم تلاحقني صدمة جديدة ليبدأ تأثيرها من حيث تلاشي اثر الصدمة التي تسبقها... كرهت شركات الأدوية...وكرهت ذلك المرض اللعين الذي لاذ بالإقامة في أحشاء حبيبتي......

اذكر أنني لم أتمكن من النوم في تلك الليلة سوي لحظات معدودة.. وكان يلاحقني فيها كابوسا اسود يفزعني مرهوبا كلما تغلب علي عيني إغفاء.... أرسلت إلي تطلبني في صباح اليوم الثالث فقفزت من علي سريري علي الفور... وسرعان ما وصلت إليها... اخبرتبى بشعورها بتحسن كبير... وكأنها قصدت أن تقول لي أستريح فكفاك ما عانيته من أجلي... كان بودي أن أصدقها... أيدتها وحقيقة مرة بداخلي تصرخ.... فشبح الموت في طريقه إليها ..... رضيت أم أبيت........ اشعر بأنه يقترب منها رويدا رويدا....وقد يصلها في أي لحظة....فيا ليته يغير طريقه عنها.....ويا ليت لنا في الموت حيلة...... قضينا ما يقرب من ثلاثة أرباع هذا اليوم نتحاكي ونتضاحك.... ولكن لم يكن هناك مجال أن نأمل بصدق....وطلبت مني أن نتمشى بين المزارع سويا......وكان ذلك لنفسي أعظم من الفوز بجائزة نوبل لعالم في مجال ما..... خرجنا نمشي الهوين... وكأنها مازالت طفلة تتعلم المبادئ الأولي لفن المشي.... وكان كل من يقابلنا كبيرا أو صغيرا يبارك لها علي تحسن حالتها ويدعوا الله بتمام شفائها.....فلقد استشفقت حالتها مشاعر الجميع......كان قلبي كالفراشة يتراقص حولها..... أخبرتها بأنني سوف أتقدم لخطبتها... أبدت بعض سرورها قائلة:"علي فكرة أنا كنت علي يقين من عزمك علي خطبتي هذه المرة."
- من أخبرك...؟
- إحساسي...... نعم إحساسي الذي لم يكذبني أبدا....!
- فما رأيك إذا....؟
- والله كنت أتمني....!
- وما المانع إذا....؟
طال صمتها .. ثم نظرت للأرض طويلا... ورفعت رأسها وأناملها تلاحق دمعة جرت علي خدها قائلة: لقد تأخر الوقت ياحبيبي....!

ارتعدت جوارحي لم أكن أود أن أعكر صفوها... بل تعمدت أن أوقظ بقايا فرحتها...ولكنها أوقدت نيراني..... وأحيت جراحي..... فدمعت عيناي..... ووجدت نفسي أقسم لها بأنني سوف أتزوجها... أومأت برأسها وكأنها أرادت ألا تجادلني... وقلت لها في طريق عودتنا إلي المنزل إنني سوف أسافر في الصباح الباكر.... صمتت قليلا ثم استطردت حديثها قائلة: ومتى ستعود.....؟
- إذا وجدت الرائد علاء بالكتيبة فسوف أعود في نفس اليوم..
- وإن لم تجده......!
- ربما في اليوم التالي....
- أود أن اذهب لأودعك في محطة السكة الحديد...
- لا عليك يا وفاء.. كنت أتمني ولكن لا أحب أن أرهقك...

وجاءتني رغبة جامحة للتحدث مع أمي في تلك الليلة....رغبة كانت مبرراتها متداخلة....ربما لإحساسي بتجاهلها...... أو ربما لإحساسي بخشونة أسلوبي معها منذ يومين عندما دار بيننا الحديث...... وربما لحاجتي الماسة في استرضائها......وأثار دهشتي إشفاق أمي علي...... فلقد كلمتني هذه المرة بنبرات حانية قائلة" أنا عذراك وربنا يقدرك علي فعل الخير"... استراحت نفسي كثيرا واذكر أن عيني اكتحلت بالنوم بضع ساعات في تلك الليلة.......
استيقظت مبكرا... ارتديت ملابسي العسكرية.... ولملمت حاجاتي.. وودعت وفاء ووعدتها بالعودة في القريب العاجل... وركبت سيارة أقلتني إلي محطة السكة الحديد.. وهناك وجدت أن القطار الذي قصدت اللحاق به قد غادر المحطة منذ دقائق.... ولم احزن لذلك... بل أحسست بفرح يسري في نفسي...وكان البقاء في حدود مدينة حبيبتي يسرني....بقيت في انتظار القطار الذي يليه.....

قوة خفية تجذبني للبقاء وقوة تدفعني للسفر من اجل العودة...عشت لحظات متأرجح بين البقاء والذهاب... متمزق بين الرفض والقبول... وبين الضعف والقوة... وأخيرا قررت السفر من اجل العودة.. وجاء القطار... ولذت بمقعد بجوار احد شبابيكه المطلة علي رصيف المحطة....وقال مذياع المحطة كلمات مؤداها أن القطار سوف يتوقف عشر دقائق للصيانة في بعض أجزائه.....وأسعدني ذلك..ولم اعرف لتلك السعادة مبررا...

كانت الناس تجري علي الرصيف كالنمل... بعضهم ليلحق بالقطار وبعضهم ليتباعد عنه... وبعد أن أوشك الرصيف أن يخلو من أقدام السائرين... وتهدأ الحركة عليه... لمحت عيني علي بعد ليس بكبير فتاتي وفاء تجري بين أ يدي صديقتيها "عبير ورجاء" وتنظر من خلال نوافذ القطار بشغف وتيقظ إثارة... قفزت من القطار مسرعا تأخذني الشفقة لحالتها اطوي الأرض نحوهم........ يا للقدر من حكم عجيب.... فلقد فاتني قطار وتأخر من اجل مقابلتي لها الآخر....وسرعان ما وجدت نفسي أمامها...... مدت لها يدي مشتاقا والفرح يكاد يقفز من صدري قفزا...... ألقت بجسدها علي صدري بلا حرج.... وبكت وبكينا جميعا..... تحت أعين الناس السائرين والراكبين....
وهم القطار بالتحرك.... لست ادري إذا كنت أود أن أعاتبها أو اشكرها لحضورها..فبرغم أني أتمزق لأنينها....إلا أن حضورها فجر بركان من السعادة داخلي.....حقيبتي مازالت بالقطار......وعدتها ثانية بالعودة علي الفور... سحبت يدي من بين أصابعها برفق لألبي نداء القطار فأمسكت بالاخري... وبقيت أطراف الأصابع متعانقة لثوان معدودة... ابتعدت خطواتي.... بدأ القطار يأخذ قدر اكبر من سرعته... قفزت فيه وأنا أنظرها......ولدي إحساس صارخ بأنني تركت كياني ونفسي وكل شيء علي رصيف هذه المحطة.......وكلي أمل ورجاء في أن أعود إليهم ثانية..... رأيتها تكلمني ولكني لم أتمكن من أن اسمع من كلامها شيء..........
.
اذكر أني فكرت في أن اقفز لأعود إليها.... ولكن ابتعد القطار وأخذت السرعة تعربد في أجزائه.... فلم يمهلني حتى يتبلور قراري....فمن الصعب علي القطار أن يتحسس فينا المشاعر... فهو سرعان ما يأخذ مثل القدر.....

وانطلق القطار كالأسد الثائر... وتباعدت ملامح المدينة.. وسرعان ما توارت خلف من أخري.....انظر من النافذة.. الريف يجري... والغبار مثار واللب شارد والحياة كلها علي هامش هامش شعوري....لم ادري كم من الساعات مر علي وأنا في تلك الحالة...ولم يشغلني شاغل عن بقاء أخر نظرة لحبيبتي عالقة بادراك إدراكي...كان قلبي يجلجل بالدعاء.....تمنيت أن اسجد لله بين أرجل المارة في القطار...ليلهمني قدرا من الصبر والتثبيت يكفيني حتى أعود... شعرت وكأنني مسافر نحو الجحيم.......
وصل القطار... ووصلت السيارة التي ركبتها بعده.... ومشيت علي الأقدام مسيرة خمس كيلوا مترات بين الجبال والصخور.... وصلت المعسكر القاطن هناك في حضن الجبال البعيدة وكأنه في المنفي...أحسست بانقباض قلبي واستشعرت ضيقا في أنفاسي.. وكأنني اصعد منحدرا نحو الموت.....رآني رفاقي فهرعوا نحوي... لمحت في وجوههم بقايا حداد......وفي أعينهم أحزان راسية......يسألونني بشغف هل علمت بما حدث...؟ ولذلك أتيت....؟ وعندما سألت عما حدث. اخبروني بأن الرائد علاء لقي حتفه بالأمس في حادث انقلاب لسيارته من فوق الطريق الجبلي...صدمة زلزلت بقايا ثباتي .. حاولت أن أبكي ولكن خانتني دموعي..... وكأن قد جفت آبارها
لحظات تزلزلت فيها المعايير بذهني.... أيبقي الصول المنبوذ ويموت الرائد المحبوب...!ولكن لكل اجل كتاب.... مات الرجل الذي كنا نحبه و........دارت الأرض بي في عتمتها.......وتمنيت أن ينهي الدنيا كلها موت فلا يبقي من أهلها احد.....كان بودي أن امتلك دمعة واحدة فأبكي بها هذا الرجل الذي أحببته واسترحت له كثيرا وجعل صعوبة الأيام العسكرية تتفتت أمامي كما يتفتت الصخر بالديناميت..........
عدت من حيث أتيت ولم يكن لي خيار في ذلك.... صورة وملامح سيادة الرائد تلاحق ذاكرتي.. ويطن صوته في أذني.... رحمك الله يا أيها الرجل الذي..........!! وسامحك الله يا عيني..... فمن ذا الذي فيمن عرفتهم هنا يستحق البكاء عليه غيره.....كل الناس تحت عيني تشابهت.... وكل الأشياء تشابهت ... وحتى الأقدار تشابهت....أقلتني سيارة إلي سيارة إلي قطار وأنا أشبه ما أكون بفاقد الوعي....فالوجود ارتدي زيا غير زيه المعتاد لعيني.....
ألقيت بجسدي المرهق فوق كرسي بأحد القطارات المتجهة ناحية الجنوب الغربي من الاسماعلية أن أصبت في تحديد الاتجاه.....ولم أعي ما إذا كان ذاهب نحو بلدي أم لا... ولكن القدر قد أعلن معه تعاطفه معي هذه المرة فوجدت القطار يمضي بي من حيث أتي بي الأخر....... لم اتفوة بكلمة واحدة عبر هذا الطريق الطويل ولم ارغب في ذلك....... وكنت كل ما افعله أن القي بجسدي الذي تتاوة قدمي من حمله علي كرسي في أي وسيلة مواصلات... حتى وصلت....
دخلت القرية مع غروب الشمس......ورأيت جموع من الناس قادمين من صوب المقابر..... أتطلع بشغف إلي الوجوه فلم تبدو لي غير آثار حزن راسية في النفوس وبقايا دموع بالعيون.....فلقد عاد الناس من المقابر تاركين جثمان أعز الناس عندي... طار الخبر لإحساسي قبل مسامعي........مضيت نحو بيتي ... انعقد لساني وتندي العرق علي جبيني...وسقطت مغشيا علي... ولم ادري شيئا بعد ذلك...... ولست ادري كم مكثت.... ولكن عندما أفقت استشعرت ذلك الحزن القديم الذي هبط علي قلبي أجادله بكل ما أوتيت من قوة وتحمل ولا يتزحزح ...
وها أنا علي هذه الحالة منذ أسبوعين كما يقول أهلي....... أفيق تارة فأعلم كل شيء واتوه تارة لأجهل كل شيء.....والآن اشعر بذنب كبير نحوها....ربما لتجاهلي لها فيما مضي.....ولا أبالغ إذا قلت الآن أن الموت والحياة قد تساويا عندي....بل وإذا خيرت بينهما لكان الموت اختياري فربما هناك الله يرحمني ويعوضني عما انتزعته الأقدار مني....
والآن عرفت أن من كانوا بالخارج هم أمي وإخوتي وبعض جيراني وبعض من رفاقي الجنود جاءوا ليطمئنوا علي من اثر موت الرائد علاء... حاملين لي تصريح أجازة مدتها شهر وقد وقع عليه الصول" عبد العاطي" وبعض القادة..... تكريما لذلك القائد الفذ..... وتكريما لي وللعلاقة الحميمة بيني وبين الرائد..........فكانت بيننا محبة وصداقة وتآلف فبرغم فرق السن والمكانة والتخصص بيننا.....ولكنه مات....وأكرمني في موته بأجازة مداها ما بقي في فترة تجنيدي....
ولا تحزن إن كنت قصصت عليك تلك القصة في عجالة.........ولا تحزن إن كنت لم اذكر لك بعض الدقائق التي تشعرني بأثر الصدمة إذا ما تذكرتها.......

بقلم
جمعه شيبه
1/3/2002
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://sheiba.subjectonline.com
طائر الليل

avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 07/01/2011

مُساهمةموضوع: رد: " انتزاع " قصة قصيرة .... بقلم جمعه شيبه   الإثنين 6 يونيو 2011 - 15:07

اسلوب رائع ..... وقصة مؤثرة........ مشكــــــــــــــــور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشرسة

avatar

عدد المساهمات : 178
تاريخ التسجيل : 16/01/2011

مُساهمةموضوع: رد: " انتزاع " قصة قصيرة .... بقلم جمعه شيبه   الأربعاء 9 نوفمبر 2011 - 18:25





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
" انتزاع " قصة قصيرة .... بقلم جمعه شيبه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات جمعه شيبه التعليمية للتبريد والتكييف وبرامج الملتيميديا :: المنتدي الأدبي :: قصة قصيرة-
انتقل الى: